تمهيد :
إن قضية التنمية والتخلف بأبعادهما وإشكالاتهما المختلفة هي قضايا المجتمع ككل يتعرف من خلالهما على العوائق الايبيستيمولوجية(المعرفية) التي من خلالها نفكر وننتج مفاهيمنا وتمثلاتنا حول :”التنمية” و”التخلف” من جهة . ومن جهة أخرى نتعرف على العوائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحول دون تطور المجتمع وتحديته .وعلى ضوئها يتعرف المجتمع على تاريخه السوسيو-إقتصادي ,ومن خلالها تناقش امكاناته المادية الحالية والمستقبلية, وبواستطها يتم تناول كل الانساق الاجتماعية : تربوية وقرابية وقانونية فضلا عن مساؤلتها الانماط المجتمعية الكبرى الريفية والحضرية.
إن مفاهيم “التنمية” و”التخلف” وما يرتبط بهما من مفاهيم وتصورات متباينة , وكذا مختلف الاسماء التي تكنى بها المجتمعات “النامية” ليست مفاهيم محايدة على الاطلاق , اذ تنطلق من مرجعيات غربية شادة متمركزة حول الذات , من أجل الهيمنة والسيطرة على الشعوب ,ونهب ترواتها المادية والبشرية وتكريس تبعيتها للمراكز.فاذا كان الاستعمار القديم يسمى حماية فان التنمية جزء من السياسة الستعمارية القديمة والجديدة في نفس الوقت التي تمد اليد للتعاون ولكن تخفي وراءها أهدافا غير معلنة. فكما تم استنزاف وتدمير البلدان النامية باسم الحماية ,يتم حاليا استنزاف ترواتها وتدمير بيئتها باسم التنمية : ان تنميتهم تعني ضمان استمرار وانتشار النموذج الغربي(الاقتصادي) بطريقة شمولية وماالى نهاية ؟
إن فهم ظاهرة “التنمية” لا يزال بحاجة الى فهم جديد عبر نوع من الدراسات النقدية “الراديكالية” وأعتقد ان الخطوة الاولى في هذا السبيل هي توضيح الاهذاف والمبررات السياسية الكامنة وراء معظم “النماذج التنموية” المطروحة في سوق التداول والعملي والنظري .كل ذلك من أجل الوصول الى نظرية تؤكد العناصر البنائية للتنمية مستندة في ذلك الى فهم حقيقي لتاريخ وجود :مجتمعات “متقدمة” و”متصنعة” و”ديموقراطية” جنبا الى جنب مجتمعات تتسم من جهة بالفشل والارتباك في جل مشاريعها التنموية ,وتتسم من جهة أخرى بالاستبداد وعدم الاستقرار السياسي .
مفهوم التنمية :
يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ “عملية التنمية”، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم والتغيير الاجتماعي.
وقد برز مفهوم التنمية بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز “آدم سميث” في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي ، أو التقدم الاقتصادي . وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث ، أو التصنيع . إلا أن انطلاقته الحقيقية بدأت في عقد الخمسينات والستينات بعد(استقلال) الدول المستعمرة غير ان استخدامه يكتنفه بعض الغموض اذ يتم خلطه بمفهوم “التغيير الاجتماعي”على ما فيه من خلط وإساءة مدلول كل منهما. ويحمل مفهوم التنمية معنى أكثر دقة وتحديدا من مفهوم “التغيير الاجتماعي” ,وجدير بالذكر ان التنمية في معناها الاصلي كانت مرادفة للنمو او الانفتاح على الامكانات والطاقات.
إلا ان “التنمية” كمفهوم يستخدم دوليا على نطاق واسع الان ,لاتشير الى عملية نمو تلقائية ,وإنما إلى عملية تغيير مقصود تقوم بها سياسات محددة وتشرف على تنفيدها هيئات حكومية مسؤولة تساعدها هيئات على المستوى المحلي ( المنظمات غير الحكومية والجمعيات المختلفة) تستهذف إدخال نظم جديدة ,أو خلق قوى إجتماعية جديدة مكان القوى الاجتماعية الموجودة بالفعل ,وإعادة توجيهها وتنشيطها بطريقة جديدة ,وتهيئة الظروف المتعددة ,لهذا الجانب من التغيير الاجتماعي الذي يطلق عليه “التنمية”.ومن الخصائص المميزة للتنمية أنها ليست عملية تطور تدريجي وتلقائي ,حيت أنها تتم على أساس التدخل المستمر والمقصود في المجتمعات , ,وتستمر عبر هيئات التنمية التي تكون جزءا من بناء الدولة.
مفهوم التخلف :
إن الحديث عن التنمية يختلط دائما بالحديث عن “التخلف” و”التقدم” ,فالتقدم هوغاية التنمية ,والتنمية هي عمليا بناء أسس ومقومات النظام الاجتماعي – الاقتصادي المتقدم .لذلك فإنه من الضروري تناول مدلول مفهومي :”التخلف” و”التقدم” باعتبارهما مفهومين مترابطان جدليا وعلاقتهما متبادلة :علاقة شرط وإنجاب .
لقد داعت غداة الحرب العلمية التانية مجموعة من المفاهيم لتشير الى مجموعة من الدول التي كانت تنعت بالمجتمعات التقليدية او التاريخية أوالراكدة ,وواضح من هذه التسميات والنعوت إنها تمثل أحكاما تقديرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية الغرض منها إقامة مقارنة الدول بعضها ببعض ووضعها في مراتب بعضها فوق بعض .مع ما في ذلك من تعسف وتحكم شديدين نظرا لاختلاف الحكم التقديري باختلاف المعيار الذي يقوم عليه والغرض الذي يوضع من أجله مما يجعل من الصعوبة بمكان الاتفاق على تعريف جامع للدول المتخلفة ( أو النامية أو السائرة في طريق النمو كما يقال عادة ) .
ويتكون العالم الثالث من المجتمعات التي لم تصل بعد إلى مستوى عال من المعيشة من وجهة النظر الاقتصادية .واذا نظرنا الى العالم التالت من زاوية التنمية الاقتصادية (او النمو) فان معضم البلدان التي يتكون منها تشغل مكانا يمكن فصله إجرائيا عن المكان الذي تشغله المجتمعات الغربية ,ويمكن ان أشير هنا الى ان كلمة “ثالث” لا تمتل مرتبة تقافية أو قيمة ولكنها تعني في الواقع درجة معينة من درجات التنمية الاقتصادية (النمو) .
الاتجاهات العامة المسيطرة على طبيعة التنمية :
إن التنمية كما سبق تعريفها ترتبط من حيت أهدافها وتصوراتها بالاطار الايديولوجي للمجتمع ,ويضهر ذلك بوضوح من الاتجاه العام الذي تنطلق منه مختلف نظريات التغيير الاجتماعي ,ويمكن ان نذكر بالاتجاهات الثلاثة التقليدية التي سيطرت على طبيعة التنمية منذ عقود من الزمن:
*الاتجاه المحافظ : الدي يرفض البعد التاريخي في دراسة الواقع ومن ثمة لا يربط ربطا واضحا بين النمو الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي ,ويرتبط بهدا الاتجاه المنظور البرجماتي الذي يرفض التحليل الديالكتيكي للواقع الاجتماعي :ويرى ان الواقع الاجتماعي الممكن هو الواقع القائم .
*الاتجاه الوضعي :الذي يرى انصاره ان التنمية تتحقق من خلال تعديلات وظيفية دون مساس بتكامل النسق الاجتماعي القائم واستمراريته.
*الاتجاه الراديكالي : الذي ينطلق من تصورات تقوم اساسا على تغيير الاساس المادي للمجتمع مع ما يستتبع ذلك من تغييرات مصاحبة في نظم المجتمع ,وبالتالي يكون طريق التنمية هو التغيير الشامل لبناء المجتمع ,الذي تفرضه حتمية التاريخ .
ويترتب على الاتجاهات السابقة ,تصور الاستراتيجية الملائمة لتحقيق التنمية ويمكن حصرها في أربع :
1/ الاستراتيجية الامبريقية العقلانية التي تعتمد على رغبة المجتمع المحلي وإستجابته .
2/ الاستراتيجية التربوية التي تعتمد على تغيير نسق الفعل من خلال تغيير نسق القيم والمعاني والتصورات .
3/ إستراتيجية القوة : التي تعتمد في تحقيق التنمية على قوة القانون والاجراءات السياسية والاقتصادية والادارية .
4/ الاستراتيجية الثورية التي تتطلب التغيير الشامل من خلال رؤية أن الاصلاح لا يجدي وأن الواقع الاجتماعي ليس مؤشرا لطبيعة الوجود الاجتماعي .
التنمية كما تشرف عليها الدول الغنية ومؤسساتها : تنمية التبعية وت













